أبو نصر الفارابي

43

احصاء العلوم

وإنما تستعمل الأقاويل الشعرية في مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شيء ما باستقرار إليه واستدراج نحوه : وذلك إما أن يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل ، فيقوم التخييل مقام الروية . وإما أن يكون إنسان له روية في الذي يلتمس منه ولا يؤمن إذا روّى فيه أن يمتنع ، فيعاجل بالأقاويل الكاذبة ، ليسبق بالتخييل رويته حتى يبادر إلى ذلك الفعل ، فيكون منه بالغلبة قبل أن يستدرك برويته ما في عقبى ذلك الفعل فيمتنع منه أصلا ، ويتعقبه فيرى أن لا يستعمل فيه ويؤخره إلى وقت آخر . ولذلك صارت الأقاويل دون غيرها تجمّل وتزيّن وتفخّم ويجعل لها رونق وبهاء بالأشياء ذكرت في علم المنطق . فهذه أصناف القياسات والصنائع القياسية . وأصناف المخاطبات التي تستعمل لتصحيح شيء ما في الأمور كلها هي في الجملة خمسة : يقينية ، وظنونية ، ومغلطة ، ومقنعة ، ومخيلة « 1 » . وكل واحد من هذه الصنائع الخمس لها أشياء تخصها ، ولها أشياء أخر تشترك فيها .

--> ( 1 ) يريد أن يقول إن المقدمات التي تستعمل في القياس خمسة أنواع ينتج عنها خمسة أنواع من القياس هي التي تكلم عليها وهي البرهان الذي يقوم على مقدمات يقينية ، الجدل الذي يقوم على مقدمات ظنية ، والمغالطة التي تقوم على مقدمات مغلوطة ، والخطابة التي تعتمد أقوالا مقنعة ، والشعر الذي يعتمد أقوالا خيالية .